ابن قيم الجوزية
484
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فتضمن ذلك تقديم ما أخر ، وتأخير ما قدم ، وإلغاء ما اعتبر ، واعتبار ما ألغي . ولولا منة اللّه على الصادقين منكم بتحكيم الرسالة ، والتقيد بالشرع « 1 » لكان أمرا غير هذا ، كما جرى لغير واحد من السالكين على هذه الطريق الخطرة ، فلا إله إلا اللّه ، كم فيها من قتيل وسليب ، وجريح وأسير وطريد ؟ وأما قولكم : « إن الشاكر فيه بقية من بقايا رسمه » . فيقال : إذا كانت هذه البقية محض العبودية ومركبها ، والحاملة لها : فأي نقص في هذا ؟ فإن العبودية لا تقوم بنفسها ، وإنما تقوم بهذا الرسم ، فلا نقص في حمل العبودية عليه ، والسير به إلى اللّه عزّ وجلّ . نعم ، النقص كل النقص : في حمل النفس والشهوة والحظ المخالف لمراد الرب تعالى الديني على هذا الرسم ، والسير به إلى النفس ، ولعل العامل على الفناء بهذه المثابة . وهو ملبوس عليه ، فالعارف يستقصي التفتيش عن كمائن النفس . وأما قولكم : « من لم يكن كيف يشكر من لم يزل ؟ » فهذا بالشطح أليق منه بالمعرفة ، فإن « من لم يزل » إذا أمر « من لم يكن » بالشكر ، ورضيه منه وأحبه وأثنى عليه به ، واستدعاه واقتضاه منه ، وأوجب له به المزيد ، وأضافه إليه ، واشتق منه له الاسم ، وأوقع عليه به الحكم ، وأخبر أنه غاية رضاه منه ، وأمره - مع ذلك - أن يشهد أن شكره به ، وبإذنه ومشيئته وتوفيقه : فهذا شكر من لم يكن لمن يزل . وهو محض العبودية . وأما ضربكم مثل كسوة السلطان لعبده ، وأخذه في الشكر له مكافأة : فهذا من أبطل الأمثلة عقلا ونقلا وفطرة ، وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال : « إن شكر المنعم لا يجب عقلا » ما قال ذلك . حتى زعم أن شكره قبيح عقلا ، ولولا الشرع لما حسن الإقدام عليه ، وضرب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه ، وهذا من القياس الفاسد ، المتضمن قياس الخالق على المخلوق ، وبمثله عبدت الشمس والقمر والأوثان ، إذ قال المشركون : جناب العظيم لا يهجم عليه بغير وسائل ووسائط ، وسرت هاتان الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبد وأهل النظر والبحث ، والمعصوم من عصمه اللّه . فيقال : الفرق من وجوه كثيرة جدا ، تفوت الحصر . منها : أن الملك محتاج فقير إلى من أنعم عليه ، لا يقوم ملكه إلا به ، فهو محتاج إلى معاوضة بتلك الكسوة - مثلا - خدمة له ، وحفظا له ، وذبّا عنه وسعيا في تحصيل مصالحه . فكسوته له من باب المعاوضة والمعاونة ، فإذا أخذ في شكره ، فكأنه جعل ذلك ثمنا لنعمته ، وليس بثمن لها . وأما إنعام الرب تعالى على عبده : فإحسان إليه ، وتفضل عليه ، ومجرد امتنان ، لا لحاجة
--> ( 1 ) وهل في شرع الرسالة الموحى بها من عند ربنا الرحمن الرحيم هذا الفناء ، وما يستلزمه ويفضي إليه ويناسبه ؟ غفر اللّه للشيخ الإمام ابن القيم . فقد أجهد نفسه كثيرا جدا - بقلب طيب سليم - في محاولة غسل أوضار الصوفية . فهل بلغ غايته ، ونجح في مقصده ؟ .